أخبار الجنوب «أبوظبي – الإمارات»:
.
٠
الاحد، 13 سبتمبر 2009
" رجـل في عـدن يقتـل بنـاته العشـر ثم ينتحر" . خبـرٌ صغيـرٌ تناقلته
معظـم الصحـف والمواقـع الإلكترونية . لكن هذا الخبر الصغيـر يعبـّر عن فاجعـة
كبيـرة مُـنِـيَ بهـا الجنوب. حـدث ٌ كهـذا لم تعـرفه مـدينـة عـدن طوال تاريخهـا.
٠
كان المـؤذن يصـدح بصـوته من فوق مئـذنة
المسجـد: الله أكبـر الله أكبـر. دعا الرجـل بناته العشـر: هيـا يابنات ، تعالوا
نفطر. نعم ، حان وقـت الإفطار ولكن ليس ثمة ماتفطر به الأسرة. بضع حبيـبات من
التمـر وقليـل من شربة القمح وحبات من خبز الطاوة. هذا كل ما استطاع الرجل أن يوفره
لبناته. فكـر الرجـل في نفسـه: لم يحصـل أن مرت علينا ظروف مثل هذه طول عمري لا أيام
بريطانيا ولا أيام الرفاق. ولكن منذ أن جاءت الوحدة وحضر معها هؤلاء الدحابيش
الذين نهبوا الأخضر واليابس وطردونا من أعمالنا، حلت علينا كل البلاوي. طافت
برأسه صورة واحـد من الدحابيش أطل ّ من الشاشة وهو يصرخ: "المشكلة ليست في
الوحـدة وإنما في الأخطاء التي اقترفها النظام الحاكم". لكن هذا لايعني شيئا لهذا
المواطن البسيط الذي لايعرف الا أن بيت رئيسه البيـض لايزال محتـلا من أناس يقولون
إنهم ليسوا من السلطة الحاكمة ولكن باسم الدفاع عن الوحدة صادروا بيت الرئيس
وصادروا الوطن. ودرات في ذهن الرجل صورٌ قاتمة السـواد.. كيف سيكون مصير هؤلاء
البنات؟ خشي الرجل أن يغتصب هؤلاء الأجلاف عـذرية بناته العشر كما اغتصبـوا لقمة
عيشهن ثم يدفعوهن الى أوكارالقحب والدعارة أويقـذفوهن متعـة ً رخيصة الى أحضان
أبناء السعودية والخليج تحت غطاء الزواج السياحي كما فعلوا ببنات اللواء الأخضر.
٠
كل هذه الصور المدمية للقلب كانت تطوف في ذهن المناضل الوطني
الكبير الأستاذ محمد سالم باسندوة وهو يذرف دموعه النبيلة. لقـد طافت بذهنه
عـدن .. شوارعها .. حواريها .. أناسها البسطاء .. رجالها .. نساؤها .. مجالسها
.. أدبهـا .. شعـرها .. فنها .. عطرها .. بخورها .. ومراحل النضال الوطني .. بـرّع
يااستعمـار بـرّع .. من أرض الأحرار بـرّع .. وتـذكـررفاق النضال الشرفاء .. الوطن
يتدفق دماء ً في شرايينهم .. جميعهم .. الذين كانوا في صفـّه أو الذين كانوا في صفّ
خصومه .. لم يفكر أحدٌ منهم في مال أو ثروة أو تسمين أبناء أو توريثهم الحكم والسلطة.
٠
هـذه الأرضُ زرعناها دموعـا وجهـودا
كم هـوى فـوق ثـراها ثـائرٌ مات شهيـدا
ولكم تـاه بها حـرٌ قضـى العمـرَ شـريـدا
٠
كان يقـرأ بيانـه .. يهاجم
الحاكم .. إنه يغيـّر نائبـه ورئيس حكومته كما يغيـّر .. كما يغيـّر .. وتلعثم
الرجل .. كما يغيـّرماذا؟ .. ياإلهي اسعفني بكلمة أكمل بها جملتي .. لا أريـد
أن أقول إنه يغيـّرهما كما يغيـّر حـذاءه أو كما يغيـّر جواربه .. تلك هي
الحقيقة .. والكل يعلمها .. ولكني لا أريـد أن أبـوح بها .. ستكون كبيـرة .. كبيـرة
كثيـر .. الحمد لله هاهي جاءت: إنه يغيـّر نائبـه ورئيس حكومته وهو يشـرب كأس الشـاي .
٠
الحمـد لله .. انفرجت أسارير باسندوة .. مسح العرق من فوق جبيـنه ..
أخـذ رشفـة ً من الماء .. لقـد أعطى للحاكم مايستحقه. وينظـرالرجل أمامه ويلتفت
الى من حوله وتزداد الكـآبة .. وماذا عن هؤلاء .. إنهم دحابيش أيضا .. هم من نفس
الصنف .. من نفس صنف الأفنـدم .. ولكـن ماذا يمكنني أن أقول عنهم .. ثم يتـذكر الألـم
النبيل الذي اعتصـر منذ زمن بعيـد قلـب المتنـبي وأدماه وجعله يئـن من أعماقه قائلا:
٠